
.


” عن خمس عشرة سنة مضت ، ..
في أيامها .. اصطليت بنار .. نار تتأجج بلهب عال ، أوشكتُ أن أرتع فيه ..
أثقلت كاهلي .. دمعات أمي التي جفت مؤخراً ، وإلحاحها عليّ ” مالك وللعالم” ..
خدّاعة هذه السنين يا أمّاه .. خداعة بمقاس واسع .
زكية أيام الطفولة والصبا ، وبريئةٌُ جداً ..
أتذكّر ، حين كنتُ زعيم لعبة “المليحق” ، في مزرعتنا التي هُجرت ، أسقط الأوامر على أبناء خالتي الأغبياء ، كانوا سذج يا أمي ..
عقلي كان يملي عليّ الخبث ، يستغل كل فرصة تتيح لي القبيح من العمل ..
هل قلتُ أبناء خالتي ؟
الآن هم من أسعد الناس .. من أسعد الناس يا أمي !
عن حياض العقلانية ، أصبحت أميرها يوماً ما .. ورائد ثورة ملعونة ، طفقت ألعنها الآن فقط ، غاصت عميقاً باتجاه مجهول .. تبحث عن ضالة تجهل ماهيّتها ، وتدور في دوائر مفرغة .
نعم ، الدوائر المفرغة هي التي يتحدث عنها المنظرون يا أمي .
عن جملة من السنين .. نسيت فيها المعاني كلها ..
كانت “العواطف” بالنسبة لي مجرد معنىً يجيد نظمه الشعار ، ومفردة على ألسنة العامة والمراهقين ،
لم أكن أميز فيها المضارع من الأمر .. والجار من المجرور ..
غدوت كنص أجنبي ترجِم كثيراً ، ومجرد مشروع “كادح” يركض نحو سراب ، فقط سراب .. وشتات أوراق مهملة ..
عند أول السكة .. اصطحبت معي بقايا من مشاعر ، وشيئاً من عواطف ، وضعَتها لي أمي مع إفطار الصباح ..
اختنقت جداً ، بها ..
أصبحت تتزاحم في عقلي مع كتلة البراهين والإثباتات ، وعويل يصرخ يبحث عن حقيقة ، وقرىً جافة سكنها الجمود ..
عندما انتصفت ، ضاعت منّي دون إرادة !
خلعت عقلي وجعلت أتأمّله ، أأنت من حاد بي عن السعادة ؟
حرمتني من ضحك بريء ، ومشاركة “الآخرين” ابتساماتهم النقية ..
كله من أجل “وهن” ظننت أني سأصيّره برجاً شامخاً ، لكنه كان تراباً ، وأصبح كذلك .
رأيت خطايا الشوارع كقناديل مسرعة تترقب قولي ، فتنت بالتحليل ومراقبة الأشياء ، أنهكني التعب ، ورغماً عني أضعت العواطف !
قد قالوا أن الإنسان يكون إنساناً بما ينتج ، هلاّ رأفوا بي وأخروا قول ذلك ؟
وما فعلتُه غير نسياني لذاتي ؟
إنني شمعة احترقت ولم تضئ شيئاً !
مسامعي قّلتني إلى حيث سقوط مؤامرة فكرية ، وتحليل ذنوب مجتمع ما ، وإيجاد أسباب مقبولة لنفاق اجتماعي !
ركضت مراراً لأشياء ليست لي ، وحشرت أنفي في كل الزوايا ..
علميني يا “نها” ، كيف كنت “أعيش” .. وكيف هي الأيام صابرة ؟
هذا المساء ، سأجرب التوبة ، حدثوني عنها مراراً ، كنت حينها منشغلاً بمصير طائفة ، وكيف سيصير مستقبل بقعة ما على الخارطة ..
ناوليني “العجين” يا أماه ، وأشعل “التنور” يا سعد ..
واصنعوا طابوراً تتزاحمون فيه ، أريد سماع الصراخ الذي عهدته عند الخبازين “ريالين بر وواحد عادي” ..
لتلسعني حرارة التنور وأنا أناول أحدهم ، لأنتفض ، وأنتشل ركام سنوات حمراء ، لم تعد تسعها كفي الآن ! .. “
كُتبت على لسان مفكر “سابق” ، لم يكن كما ينبغي .

