ترانيم (مفكر) قرر أن يصبح (خبازاً) !

نشرت هذه التدوينة في الخميس, 28 مايو, 2009 الساعة 1:49 م

” عن خمس عشرة سنة مضت ، ..
في أيامها .. اصطليت بنار .. نار تتأجج بلهب عال ، أوشكتُ أن أرتع فيه ..
أثقلت كاهلي .. دمعات أمي التي جفت مؤخراً ، وإلحاحها عليّ ” مالك وللعالم” ..
خدّاعة هذه السنين يا أمّاه .. خداعة بمقاس واسع .

زكية أيام الطفولة والصبا ، وبريئةٌُ جداً ..
أتذكّر ، حين كنتُ زعيم لعبة “المليحق” ، في مزرعتنا التي هُجرت ، أسقط الأوامر على أبناء خالتي الأغبياء ، كانوا سذج يا أمي ..
عقلي كان يملي عليّ الخبث ، يستغل كل فرصة تتيح لي القبيح من العمل ..
هل قلتُ أبناء خالتي ؟
الآن هم من أسعد الناس .. من أسعد الناس  يا أمي !

عن حياض العقلانية ، أصبحت أميرها يوماً ما .. ورائد ثورة ملعونة ، طفقت ألعنها الآن فقط ، غاصت عميقاً باتجاه مجهول .. تبحث عن ضالة تجهل ماهيّتها ، وتدور في دوائر مفرغة .
نعم ، الدوائر المفرغة هي التي يتحدث عنها المنظرون يا أمي .

عن جملة من السنين .. نسيت فيها المعاني كلها ..
كانت “العواطف” بالنسبة لي مجرد معنىً يجيد نظمه الشعار ، ومفردة على ألسنة العامة والمراهقين ،
لم أكن أميز فيها المضارع من الأمر .. والجار من المجرور ..
غدوت كنص أجنبي ترجِم كثيراً ، ومجرد مشروع “كادح” يركض نحو سراب ، فقط سراب .. وشتات أوراق مهملة ..

عند أول السكة .. اصطحبت معي بقايا من مشاعر ، وشيئاً من عواطف ، وضعَتها لي أمي مع إفطار الصباح ..
اختنقت جداً ، بها ..
أصبحت تتزاحم في عقلي مع كتلة البراهين والإثباتات ، وعويل يصرخ يبحث عن حقيقة ، وقرىً جافة سكنها الجمود ..
عندما انتصفت ، ضاعت منّي دون إرادة !

خلعت عقلي وجعلت أتأمّله ، أأنت من حاد بي عن السعادة ؟
حرمتني من ضحك بريء ، ومشاركة “الآخرين” ابتساماتهم النقية ..
كله من أجل “وهن” ظننت أني سأصيّره برجاً شامخاً ، لكنه كان تراباً ، وأصبح كذلك .

رأيت خطايا الشوارع كقناديل مسرعة تترقب قولي ، فتنت بالتحليل ومراقبة الأشياء ، أنهكني التعب ، ورغماً عني أضعت العواطف !
قد قالوا أن الإنسان يكون إنساناً بما ينتج ، هلاّ رأفوا بي وأخروا قول ذلك ؟
وما فعلتُه غير نسياني لذاتي ؟
إنني شمعة احترقت ولم تضئ شيئاً !

مسامعي قّلتني إلى حيث سقوط مؤامرة فكرية ، وتحليل ذنوب مجتمع ما ، وإيجاد أسباب مقبولة لنفاق اجتماعي !
ركضت مراراً لأشياء ليست لي ، وحشرت أنفي في كل الزوايا ..
علميني يا “نها” ، كيف كنت “أعيش” .. وكيف هي الأيام صابرة ؟

هذا المساء ، سأجرب التوبة ، حدثوني عنها مراراً ، كنت حينها منشغلاً بمصير طائفة ، وكيف سيصير مستقبل بقعة ما على الخارطة ..
ناوليني “العجين” يا أماه ، وأشعل “التنور” يا سعد ..
واصنعوا طابوراً تتزاحمون فيه ، أريد سماع الصراخ الذي عهدته عند الخبازين “ريالين بر وواحد عادي” ..
لتلسعني حرارة التنور وأنا أناول أحدهم ، لأنتفض ، وأنتشل ركام سنوات حمراء ، لم تعد تسعها كفي الآن ! .. “

كُتبت على لسان مفكر “سابق” ، لم يكن كما ينبغي .

7 تعليق لـ ترانيم (مفكر) قرر أن يصبح (خبازاً) !

  1. حمدان قـال :

    مايو 29th, 2009 الساعة 2:23 م

    لازال الاستمتاع .. جارياً ..

  2. حمدان قـال :

    مايو 29th, 2009 الساعة 2:30 م

    مع التأمل والغوص بين سطور هذه الكلمات المتشابكة .. استوقفني ..

    ” ..
    خلعت عقلي وجعلت أتأمّله ، أأنت من حاد بي عن السعادة ؟

    حرمتني من ضحك بريء ، ومشاركة “الآخرين” ابتساماتهم النقية ..

    كله من أجل “وهن” ظننت أني سأصيّره برجاً شامخاً ، لكنه كان تراباً ، وأصبح كذلك .
    ..”

    و

    “..
    إنني شمعة احترقت ولم تضئ شيئاً !
    ..”

    هل يسمى هذا بـ “جلد الذات” ؟؟
    رفقاً بـ المفكر السابق ..
    لعل الاحتراق هو من أيقظه .. فيوزن هناك الاحتراق بالذهب ..

  3. عزام قـال :

    مايو 29th, 2009 الساعة 8:12 م

    طريقتي في التفكير هي أسلوبي في الحياة ؛ فإما أن أعقدها فتتعقد بتعقدها أسلوبي وحياتي ، وإما أن أبسطها -دون سذاجة- فتتبسط وتتسهل حياتي :) .. ما أشد حاجتنا لأطفال بعقول كبار !!
    بالمناسبة طريقة البعض في العيش بسذاجة لا أعتقد أنها تجدي نفعًا -حتى على نفسه- ، أما مانريده هو العيش والتأقلم مع مانعيش لكن دون أن نفقد بساطة التفكير وعمقه في نفس الوقت .

  4. عمار قـال :

    مايو 30th, 2009 الساعة 9:16 م

    مرحباً حمدان

    تصدق ؟
    وكأنك “داري” ..
    حينما كتبتُ المقطعين وقع في نفسي شيء منهما ثم ترددت في إزالتها ، ولو كان ردك ليس سريعاً لحذفتها :)

    - حكاية “ترى قصدي بما كتبت هو كيت وكيت” ،
    أحسها غير مستساغة على المكتوب أعلاه ، كذا إحساس :)
    إلا انه في بعض المرات تأتي طواري على الشخص بأن يصبح غير مستساغاً ، لذلك : ربما كنت أحاول يا سيدي في المقطع الأول أن أوازي مقولة “المعرفة والسعادة لا يجتمعان” ، والتفكير المتجرد من العواطف (قد) يضر صاحبه ..
    صحيح أني بالغت وودت لو حذفت المقطع خروجاً من الخلاف ، لكن الله يصلحك لا عمرك تعودها :)
    والمقطع الثاني - المُدرج لفضيلتي طبعاً - فهو الذي أحرق نفسه ولم يصل لنتيجة ، قد يكون استشهادي بـ “لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى” في محله ، وإن كانت الفكرة كـ كل لم أحدد تفاصيلها .
    طبعاً أغلب (الهرجة) هي جلد ذات محض ..

    - المبالغة/جلد الذات قد نحتاجها يوماً حينما نكتب ، أقول قد ..
    التشبيهات الجافة لا تطربنا كثيراً ، هكذا (نود) نحن وتعودنا على ذلك !

    شكرا لتعقيبك حمدان ..
    لك امتناني يا حبيب .

  5. عمار قـال :

    مايو 30th, 2009 الساعة 11:53 م

    أهلاً عزام

    كلام جميل ..

    (مشروع) التفكير غالباً ما تحكمه بيئة الإنسان واحتكاكه بالأشياء ..

    شكراً لحضورك .

  6. شبح الحقيقة قـال :

    يونيو 13th, 2009 الساعة 11:39 ص

    في ظني أن التمرد على الماضي مشكلة !

    لأنه جزء من الإنسان .

    (عموما) نثار رائع جدا !!

  7. عمار قـال :

    يونيو 13th, 2009 الساعة 4:23 م

    وقد يكون خطوة صحيحة أيضاً ، إذا كان مساره الجديد إيجابياً ..
    مع حضور القناعة طبعاً

    شكراً لحضورك أخي

أضف تعليـق

Danware Net Op Remote Control Italian Security Server 8.00.2005271